عبد الكريم الخطيب

942

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . هذا التسبيح الذي تسبح به السماوات والأرض للّه رب العالمين ، هو وإن كان دائما لا ينقطع ، إلا أنه هنا تسبيح خاص في مواجهة هذه النعمة العظيمة التي أنعم اللّه بها على أهل الأرض ، وهي بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق . والأميون هم العرب ، وسمّوا أميين ، لأنه لم يكن لهم كتاب سماوي ، وكان اليهود يطلقون على جميع الأمم لفظ الأميين بالإضافة إليهم هم . . يريدون بهذا أن يمتازوا على الناس ، بأنهم هم الذين خاطبتهم السماء ، وبعثت فيهم الرسل ، وأنزلت عليهم الكتب . . أما غيرهم من سائر الأمم فلم يكونوا أهلا لأن يخاطبوا من اللّه ، وأن يتلقوا رسالاته . . وبهذا صحّ في زعمهم أن يدّعوا هذه الدعوة الضالة ، وهي أنهم شعب اللّه المختار . . فلقد كانت هذه الدعوى شؤما وبلاء عليهم ، إذ عزلتهم عن المجتمع الإنسانى ، وأقامتهم في الحياة الإنسانية مقاما مضطربا ، لا يلقاهم الناس ، ولا يلقون هم الناس ، إلّا على عداوة وجفاء . ففي قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ » امتنان على الأمة العربية ، بهذا الفضل الذي ساقه اللّه سبحانه وتعالى إليهم ، وردّ على اليهود ، وإبطال لدعواهم بأن اللّه اختارهم على العالمين . . واختصهم بفضله وإحسانه . . فالأمية التي وصف بها العرب هنا هي أمية من نوع خاص ، وهي أمية من لا كتاب لهم من عند اللّه . وإن كان هذا لا يمنع من تفشّى الأمية فيهم ، وهي أمية الجهل بالكتابة والقراءة . وذلك أن الدّين كان هو الباعث الأول على العلم ، وعلى تعلم القراءة والكتابة ، وأن أصحاب الكتب السماوية هم الذين كانوا